ابن رشد

92

تهافت التهافت

ولما ذكر هذا الجواب عنهم في الشك قال : وهذا فاسد من وجوه : أحدها : أن الفناء ليس موجودا منقولا حتى يقدر خلقه ثم إن كان موجودا فلم ينعدم بنفسه من غير معدم ثم لم يعدم العالم فإنه إن خلق في ذات العالم وحل فيه فهو محال لأن الحالّ يلاقي المحلول فيجتمعان ولو في لحظة فإذا جاز اجتماعهما لم يكن ضدا فلم يفن وإن خلقه لا في العالم ولا في محل فمن أين يضاد وجوده وجود العالم . ثم في هذا المذهب شناعة أخرى وهو أن اللّه تعالى لا يقدر على إعدام بعض أجزاء هذا العالم دون بعض بل لا يقدر إلا على أحداث فناء يعدم العالم كله لأنه إذا لم يكن في محل كان نسبته إلى الكل على وتيرة واحدة . قلت : هذا القول أسخف من أن يشتغل بالرد عليه لأن الفناء والعدم اسمان مترادفان ، فإن لم يخلق عدما لم يخلق فناء ، ولو قدرنا الفناء موجودا لكان أقصى مراتبه أن يكون عرضا ووجود عرض في غير محل مستحيل ، وأيضا فكيف يتصور أن يكون العدم يفعل عدما ، وهذا كله شبه بقول المبرسمين . قال أبو حامد : الفرقة الثانية الكرامية حيث قالوا أن فعله الإعدام والإعدام عبارة عن موجود يحدثه في ذاته تعالى عن قولهم فيصير العالم به معدوما ، وكذلك الوجود عندهم بإيجاد يحدثه في ذاته فيصير الموجود به موجودا . وهذا أيضا فاسد ، إذا فيه كون القديم محل الحوادث ثم خروج عن المعقول إذ لا يعقل من الإيجاد إلا وجود منسوب إلى إرادة وقدرة ، فإثبات شيء آخر سوى الإرادة والقدرة ، ووجود المقدور وهو العالم لا يعقل ، وكذا الإعدام . قلت : أما الكرامية فيرون أن هاهنا ثلاثة أشياء فاعل وفعل وهو الذي يسمونه إيجادا ، ومفعول وهو الذي به تعلق الفعل . وكذلك يرون أن هاهنا معدما وفعلا يسمى إعداما وشيئا معدوما ، ويرون أن الفعل هو شيء قائم بذات الفاعل ، وليس يوجب عندهم حدوث مثل هذه الحال في الفاعل أن يكون محدثا ، لأن هذه من باب النسبة والإضافة ، وحدوث النسبة والإضافة لا يوجب حدوث محلها ، وإنما الحوادث التي توجب تغير المحل الحوادث التي تغير ذات المحل مثل تغير الشيء من البياض إلى السواد . ولكن قولهم أن الفعل يقوم بذات الفاعل خطأ ، وإنما هي إضافة موجودة بين الفاعل والمفعول إذا نسبت إلى الفاعل سميت فعلا ، وإذا نسبت إلى المفعول سميت انفعالا ، لكن الكرامية بهذا الوضع ليس يلزمهم أن يكون القديم يفعل محدثا ولا أن يكون القديم ليس بقديم كما ظنت الأشعرية ، لكن الذي يلزمهم أن يكون هنالك سبب أقدم من القديم وذلك أن الفاعل إذا لم يفعل ثم فعل من غير أن ينقصه في